الصورة أخذت من مدونة الأخ الرائع ماشي صح  

 

محمد الحضيف (أبو هديل)  

 

ليلة عاشرة .. والصمت ســيد المكـــان ..! كان ( ماراثوناً ) طويلا .. صامتا، حزينا، ودامعا .. ذلك الذي مشيناه أنا وأنتِ ياهديلي .. بين السرير رقم ( 14) ، في وحدة العناية المركزة، في (مستشفى رعاية الرياض)، والسرير رقم (21)، في وحدة العناية المركزة، في (مدينة الملك فهد الطبية). في رحلتنا الماراثونية .. سرتُ وإياك ياهديل، فيما يشبه ( سرداب موت ). مررنا على كثير من مشاهد ( القبح ) .. وسمعنا اللغة المخاتلة الذرائعية، التي تلبس معطفا ابيضا، وقناعا (ملائكيا) .. وتتسلح بالمهنية ..! هديلي .. سأحكي لكِ يوما عن التنفيذيين، و( وحوش ) الطب، وكم وردة مثلك .. سحقوها، وهم يركضون، ليدفعوا عربات (خدم القصور)، إلى الأجنحة الخاصة، ويحشدوا في خدمتهم، طوابير الممرضات ..! – دكتور محمد .. وصلت موافقة مدينة الملك فهد الطبية .. هززت رأسي . وقعت فواتيرهم .. وبدأوا بنزع الأجهزة .. والأنابيب ..! التوتر وصل لدي أقصاه .. الممرضة تفصل أنبوب أكسجين السريرعن هديل، ولا تعرف كيف تفتح أنبوبة الأكسجين، المرفقة بالعربة المعدة لنقلها إلى سيارة الإسعاف. شعرت بوجع هائل يخترقني. أحسست بصدر هديل يضيق.. وأنا أختنق. قلت بصوت واهٍ :أرجوك أسرعي ..! حتى القدرة على الصراخ والانفعال .. فقدتها . تحسست صدرها .. كان ينبض . لم تعد عيناها المغمضتان، قادرتان على أن تصلني بالحياة. غفت .. فغاب البريق، الذي طالما استلهمت منه الضوء،لأتعرف على معالم الطريق. نَفَسُهُــأ صار يهديني ..! سرنا في الممرات الطويلة . نمر على الناس .. وينظرون . ثمة اثنان على السرير : جسدها الغافي .. وروحي الثكلى . حين أرفع بصري .. أبصر غمامة بيضاء تبتسم .. روحها . تنادي .. وهي تحوم فوقنا، مطرزة بزرقة السماء، التي تقرعها أكف ألاف الضارعين : ” لاتحزن إن الله معنا ” . وصلنا سيارة الإسعاف . رفعت العربة، وتكرر مشهد الأكسجين .. والممرضة. صرخت هذه المرة . كنت أشد قلقا، وأكثر وجعاً .. لاحظوا ذلك . قالت : “don`t worry sir ! every thing is OK”. لا أقلق ..؟! ما أسهل الطلب ..! ينزعون روحك .. ويقولون : لا تقلق ..! ركبتُ .. وطلبتُ أن يكون اتجاه شاشة المؤشر، الذي يعرض الأرقام، إلى غير ناحيتي .. ما بي طاقة لاحتمال الوجع، من ذلك الذي يصنعه تبدل الأرقام . حين سارت السيارة، كان كل شيء مظلما وحاراً. هل كان نور السيارة الباهت .. أم هما عيناي، اللتان خبا ضوؤهما .. إذ تغفو هديل ..؟ أكان الجو الحار الخانق، داخل السيارة، أم هي الدنيا التي ضاقت .. فغدت مثل خرم ابرة، إذ تسرق الغيبوبة الهواء من صدر هديل ..؟ كنت في مؤخرة السيارة، رأس هديل إلى الداخل، وقدماها من جهتي . صرت أتحسس قدميها، أتلمس نبض الحياة فيهما . بدا لي أن قدميها باردتان، أكثر من المعتاد، رغم الحر الخانق داخل السيارة. سألت الممرضة بوجل : هل كل شيء على ما يرام ..؟! أجابت بنعم . ناديتها .. هديل، كانت ماتزال نائمة ..! تذكرت حديثا قديما . قلت : هديل .. أعلم أنك نائمة ، وهذه ليست المرة الأولى، التي تتأخرين فيها بالكلام ..! هديل .. تذكرين أنك لم تتكلمي، إلا حين بلغت الثالثة . كنا في رحلة بين ( لانسنق /ميشيجان) و( أورلاندو/ فلوريدا) .. وكانت أيام عطلة أعياد الفصح، في ابريل .. حين نطقت أول كلمة لكِ .. في السيارة . كنت وأمك قلقين من تأخرك في الكلام، وحين تفجر ينبوعك ، بتلك الكلمة (الفصيحة). كان (عيدنا) الحقيقي، وقررنا أن نحتفل.. فتوقفنا عند أول ( rest area ) .. وشربنا قهوة، واشترينا لك ( دونت) وعصير ..! تأخرت ياهديل في الكلام، وحين تكلمت.. نطقت عطرا، وجمالا .. وروعة بيان . كنا في ابريل .. وكانت أول مرة أكذب فيها ( كذبة ابريل) .. وأجد دليلا دامغاً يدعمني. تكلمتِ .. بعد صمت . وأنا الآن .. لا أصدقهم . لا أصدق الذين يراهنون على صمتك . أنا مؤمن بالفجر يبزغ من عينيك . مؤمن بصوتك، الذين سأظل انتظره .. يقول : ” إنما أمره إذا أراد شيئا ، أن يقول له .. كن فيكون ” . مؤمن بك .. وأشرعت قلبي ويديَ لخالقك : ” سبحانك .. لا إلــه إلا أنت  

 

 

أخي الكبير أبو هديل ..  

لقد همنا .. في أبوتك التي أتعبت من بعدك يا سيدي .. فلم أرى والدا .. يعشق هذا العشق سواك … سيدي .. لقد أوكلتها … للذي لا يصل أحدا عند بابه ويرد .. للذي لا يحتاج إلى واسطة أو ضغط من نافذين .. للذي ليس بيننا وبينه .. الا واسطة واحده وهي الدعاء .. ثم الدعاء ثم الدعاء .. ونحن ندعوا معك .. نسأل الله أن يردها لكم ردا جميلا ..ونسأل الله لها الشفاء والعافية …  

ممارس صحي  

Advertisements