كثيرا منا في هذه الحياة يعيش ويحمل خلال عقلة ذاكرة محدودة ، مثل محدودية ذاكرة الكمبيوتر في الأيام الغابرة ، وخاصة أولئك الذين يعيشون حالة من استجلاب المعلومات من العقل الباطن ، ثم عرضها وقذفها مرة أخرى للعقل الباطن ، أولئك الناس مشكلة كما يقول علماء علم الاستجابة الإنسانية أنهم يتلقون ما بين العشرين ألف إلى الثلاثين ألف رسالة يومية ما بين سمعية وبصرية وحسية .. أكثر من 50 % من هذه الرسائل .. “الغير مهمة” يتم محوها خلال الأربع وعشرين ساعة .. وتتلاشى من الذاكرة تدريجيا خلال أسبوع تقريبا ..

وأعتقد أن نسبة محو الذاكرة عندي عالية .. فاستهلاك الرامات عندي على قدم وساق .. فغالبا ما يحصل أن أقابل شخصا ما .. في سوبرماركت مثلا .. وإلا هذا الشخص الهائل الجثة الذي يسلم علي.. بكل حفاوة وترحاب … ويذكر أسمي ويقول ما شاء الله ما تغير شكلك ولا تغيرت دمجتك .. حتى خشمك زي ما هو تغير ..

وترسم على وجهي ابتسامه حائرة .. أحاول محالا واعتباطا .. و عبثا تذكر الرجل فتخونني الذاكرة ..والرجل ما شاء الله علية سيل من المعلومات الهائلة عني وعن العيارات التي كنا نتداولها على بعضنا البعض .. وقتها عندما يقول يا الله ما تذكرني أنا عبدالله ولد فلان وأتخلص من الإحراج قائلا الا وشلون يا عبدالله يا الله يا الدنيا كيف صغيرة ….

ويصر الرجل على عزيمة بعد كل تلك السنوات من البعد والجفاء.. وتلح في ذاكرتي عن غير قصد أغنية عبد الحليم حافظ عندما قال صافيني مرة..و جافينى مرة.. و لا تنسنيش كده بالمرة..

ولأننا نعمل بالقطاع الطبي .. فغالبنا لا يدخل البيت إلا متأخرا .. ونقاوم ساعات من الدوام الطويل وعناء الوقوف والمرضى .. ويا دوب نرقد الساعة تسعة فلذلك معظم حياة الذين يعملون بالقطاع الطبي مقتصرة على عوائلهم فقط وقليل منهم الذي لديه حياة اجتماعية .. طبعا للأسف الشديد …

فأذهب لصديق عمري هذا الذي عجزت أن أتذكر أي لحظه مرت تذكرني به …. ويحين العشاء بعد القهوة والضيافة المعتادة .. فيسامرني صاحبي هذا الذي لا أذكره.. تذكر فلان .. فأقول هو كان دب ؟ فيرد صاحبي بضحكه تتشدق بها أوداجه لا يا أخي أصل صاحبنا هذا كان عصل لدرجة أن “Pink Panther ” كان اسمن منه بمراحل .. فأقوله طيب وش فيه خوينا هذا .. يقول ما شاء الله .. صار وكيل وزارة وتوه شاري بيت بثلاثة مليون .. فأقول ما شاء الله .. تبارك الرحمن .. وتداخلت صور Pink Panther مع صور صاحبنا هذا الذي يحاول صاحبي أن يذكرني إياه .. فأعجز أن اعرف الأوصاف…

طيب بالله ما تذكر صاحبنا .. فلان .. فأقول كان يجلس بالصف الأول .. ؟ محاولا أن أكون صورة ثلاثية الأبعاد للفصل الذي كنا ندرس به .. فلا يأتي في الصورة .. غير مدرس الحساب .. الذي كان من جنسية عربية.. ولست أدري لماذا كان يمارس الرياضة السويدية.. ورياضة رفع الأثقال .. على أجسامنا الصغيرة عندما كنا بالمتوسطة! في كل صباح تكون فيه حصة لمادة الرياضيات…

فيرجع صاحبي هذا يقول .. لا يا شيخ وش الصف الأول.. إلا كان … آخر صف .. وإذا صحى من النوم كنا نحس أن باقي له عشر ساعات نووووم سلف .. فنضحك .. سويا .. على الرغم أنني لازلت لا اذكر مضيفي هذا رغم أنه قال لي في معرض الحديث اسمه بالكامل ..

فأقول طيب وش فيه بالله صاحبنا ذا وش صار عليه .. فيقول لي .. مات …!!!!

فأصرخ بلا حول ولا قوة إلا بالله .. عسى مب حادث سيارة .. يا شيخ حوادث السيارات ما خلت أحد … وتوني أبدخل بمحاضرة عن أهمية القيادة الواعية .. إلا ويرد صاحبي ويقول حادث إيش يا شيخ .. إلا مخدرات .. دازا إبرة في يده وماااات .. لا حول ولا قوة إلا بالله .. أقولها صارخا ..

وتستمر السهرة بذكريات من طرف واحد ، وأحاول تذكرها أنها فأفشل فشلا ذريعا .. وأخرج من بيت صاحبي هذا على وعود بالزيارات المتبادلة .. فأخرج … وتلتهمني الحياة .. وأنسى صاحبنا هذا .. بحكم العمل وطبيعة الحياة … لأقابل شخصا .. آخر يقول تذكر فلان .. فأأقول طبعا …. توني كنت عنده من كم شهر !!!

وحقيقة هنا .. أن الإنسان ما سمى بالإنسان إلا من النسيان .. وهذه هي طبيعة الحياة .. أشخاص نقابلهم .. فننساهم .. وأشخاص قد نقابلهم مرة واحده فقط فيكونا .. حفرا في الذاكرة لا نستطيع نسيانهم أبدا .. ما حيينا .. وقد تكون طبيعة العمل الطبي هي من تفرض علينا حياة ذات رتم معين .. وطريقة حياة .. معينة .. حقيقة لا أدري فقد نسيت ما أردت قولة!!!!

ممارس صحي

Advertisements